د. نرمين نحمدالله تكتب: إبرة.. و«كُشتبان»
#مقالات رأي
د. نرمين نحمدالله
اليوم
«ماذا تعني كُشتبان؟!».. سألته الصبية الصغيرة في ورشته، وهي تراه يحيك أحد أثوابه؛ فأجابها الخياط عبر ابتسامة طافت بتجاعيد وجهه الغائرة، وهو يرفع لها يده؛ فترى ما يشبه قمعاً معدنياً صغيراً، يرتديه في قمة إصبعه: «أصلها فارسي.. وتعني الخاتم المعدني، الذي يُلبس في الإصبع؛ كي يحميها من وَخْز الإبر عند الخياطة.. تعرفين؟!.. يحتار الناس كثيراً في وصف العلاقة المثالية بين الرجل والمرأة، وأنا عشت طويلاً فما وجدت أفضل لوصفها من علاقة الإبرة بـ(الكشتبان).. غداً تكبرين، وتفهمين!».
كبرت الصبية؛ فصارت أنا!.. رحل الخياط العجوز، لكن عبارته بقيت تتردد في ذهني!.. فهمت!.. فهمت أن الحماية لا تعني السجن، فـ«الكشتبان» يحدد للإبرة مسافة آمنة، لكنه لا يَقِدُّ حركتها، فالإبرة وحدها تخزُّ، وقد تؤذي، و«الكشتبان» – وحده – مجرد قطعة معدنية بلا قيمة، لكنهما معاً يتكاملان؛ فيستمر الغَزْل. وبينهما طرف ثالث هو الخيط، أو دعوني أسميه «الحب»، فهو الذي يحول الإبرة من أداة مؤذية إلى أداة مفيدة، ويجعل «الكشتبان» يحتمل الوَخْزَ؛ لأنه يدرك أنها لا تتعمده؛ لأنه طريقتها في صنع جمال النسيج، فكل وخزة تترك ثقباً في «الكشتبان».. ومع الزمن، تتحول رويداً رويداً إلى ذاكرة مرئية، أو إلى سجل حفري للحب، كما يسمونه. ورغم الألم إلا أنه يبقى هناك نسيج متين، يذكرنا بأن الحب ترك بصمته الدافئة هنا!
كبرت.. وفهمت أننا نعيش لنغزل، وقد تتفاوت أنسجتنا في متانتها، لكنَّ خلفها دوماً إبرة يجب ألا تنكسر، وتتحمل ضغطة الإصبع القوية، لكنها تُكمل الطريق إلى آخره؛ مادامت تستند إلى «كشتبان»!
كبرت.. وفهمت أن الأنوثة ليست في صبغة شفاه، أو عبق عطر، أو ارتفاع كعب حذاء، بل في رقة تعرف دَوْرها في الغَزْل دون سأم، وأن الرجولة ليست في عرض منكبَيْن، أو زئير صوت، أو شراسة قبضة، بل في صبر الحليم، الذي يتفهم الوخز، ويتحمله؛ ليكتمل النسيج.
ورغماً عني ضحكت، وأنا أتخيل حواراً بين إبرة و«كشتبان»، تقول: «أنت تحبسني في زاوية ضيقة!»؛ فيرد: «بل أحميكِ من الضياع في الفراغ!». تقول: «أنت جامد لا تتحرك!»؛ فيرد: «ثباتي هو ما يؤمِّن حركتك، دون أذى!». تقول: «أنت تحجز بيني، وبين العالم»؛ فيرد: «بل أحملكِ إليه، فأحميه منك، وأحميكِ منه!».
Source link




اضف تعليقك