
أنهت شركة إنفيديا عام 2025 كواحدة من أبرز قصص النجاح في وادي السيليكون، بعدما تحولت من صانع رقاقات متخصصة إلى الشركة الأعلى قيمة في العالم بدعم من الطفرة العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ارتفعت القيمة السوقية للشركة إلى أكثر من 5 تريليونات دولار في نهاية العام، بينما قفزت ثروة المؤسس والرئيس التنفيذي جنسن هوانج إلى أكثر من 160 مليار دولار، في مؤشر على حجم الرهان الاستثماري على سوق رقاقات الذكاء الاصطناعي.
تقول الصحيفة إن إنفيديا باتت حجر الأساس في سباق الذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه جزء من نقاش متصاعد حول ما إذا كان هذا الزخم يمثل “فقاعة” استثمارية قد تنفجر في أي لحظة، أم مرحلة انتقالية نحو اقتصاد جديد قائم على الحوسبة عالية الأداء.
في هذا السياق، يطرح التقرير سؤالًا رئيسيًا: هل تستطيع إنفيديا تكرار عامها القياسي في 2026؟
هوانج يرسم “الحدود التالية” للذكاء الاصطناعي
خلال مشاركته في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية CES في لاس فيغاس هذا الأسبوع، أكد جنسن هوانغ أن “السباق على الذكاء الاصطناعي قد انطلق”، مضيفًا أن الجميع يحاول الوصول إلى “المستوى التالي” والحدود الجديدة لهذه التكنولوجيا.
قدم هوانج رؤية مستقبلية لعالم تمتلئ فيه الطرق بمركبات ذاتية القيادة، وتنتشر فيه الروبوتات والآلات الذكية التي تتفاعل مع البشر في العالم المادي وليس فقط عبر الشاشات.
يرى التقرير أن هذه الرؤية الطموحة تمثل الخلفية الاستراتيجية لتوسّع إنفيديا في مجالات تتجاوز مراكز البيانات، لتشمل السيارات ذاتية القيادة، والروبوتات، والمساعدين الشخصيين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي، وغيرها من التطبيقات التي يمكن أن تمنح الشركة مصادر نمو جديدة في السنوات المقبلة.
الاستفادة القصوى من طفرة الذكاء الاصطناعي
تأسست إنفيديا عام 1993 على يد جنسن هوانغ وشركائه، وبرزت في البداية من خلال وحدات معالجة الرسوميات الموجهة للألعاب، قبل أن تتحول شرائحها إلى عنصر رئيسي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي والتعدين عن العملات المشفرة وتطبيقات الروبوتات.
توظف الشركة اليوم أكثر من 36 ألف موظف في 38 دولة، وتصمم معظم رقاقاتها في كاليفورنيا بينما تعتمد في التصنيع والتجميع على شركاء في آسيا، مع خطط لتجميع رقاقات Blackwell في أريزونا وبناء حواسيب فائقة للذكاء الاصطناعي في تكساس بالتعاون مع شركاء تصنيع.
في نوفمبر الماضي، أعلنت إنفيديا عن تحقيق إيرادات قياسية بلغت 57 مليار دولار في الربع الثالث، بزيادة 62% مقارنة بالعام السابق، كما كشفت أنها تلقت طلبات لرقاقات الذكاء الاصطناعي بقيمة 500 مليار دولار حتى عام 2026.
يصف التقرير هذا المسار بأنه “صعود غير مسبوق” لشركة لم يكن اسمها معروفًا خارج الدوائر التقنية الضيقة قبل سنوات قليلة فقط.
استثمارات وشراكات بمئات المليارات
لم تكتف إنفيديا بدور المورد، بل تحولت أيضًا إلى مستثمر رئيسي في شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة والكبرى، من بينها OpenAI وCoreWeave، كما دعمت شركة xAI المملوكة لإيلون ماسك.
في سبتمبر، أعلنت الشركة نيتها استثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في OpenAI، التي تخطط لبناء ونشر ما لا يقل عن 10 جيجاواط من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي باستخدام أنظمة إنفيديا.
يرى محللون تحدثت إليهم الصحيفة أن “فقاعة الذكاء الاصطناعي” – إن وجدت – لن تنعكس على إنفيديا بالحدة نفسها التي قد تصيب شركات أخرى، نظرًا لسيطرتها الحالية على سوق الرقاقات عالية الأداء وقدرتها على تسويقها في طيف واسع من المنتجات والخدمات.
قال جيل لوريا، رئيس أبحاث التكنولوجيا في شركة D.A. Davidson، إن “إنفيديا ستبلي بلاءً حسنًا”، معتبرًا أن مكانة الشركة تجسد كثافة الاعتماد الحالي على أدوات الذكاء الاصطناعي.
رقاقات إنفيديا في قلب كل موجة جديدة
تعمل إنفيديا على ضمان وجود رقاقاتها في قلب الجيل التالي من الابتكارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إذ يصعب الحصول على الكثير من شرائحها الرائدة، ما يدفع كبرى العلامات التجارية حول العالم إلى عقد شراكات مباشرة مع الشركة.
استعرض هوانج خلال CES نماذج لتعاون إنفيديا مع مرسيدس-بنز في مجال البرمجيات الخاصة بالمركبات ذاتية القيادة، مشيرًا إلى أن أول سيارة ذاتية القيادة تعمل بتقنيات الشركة ستدخل الخدمة في الولايات المتحدة خلال الربع الأول من العام، مع طرح لاحق في أوروبا وآسيا.
أظهرت إحدى اللقطات المصوّرة في سان فرانسيسكو سيارة مرسيدس ذاتية القيادة تعتمد على منصة إنفيديا، وهي تتعامل مع حركة المرور وتفسح المجال للمشاة والمركبات الأخرى، في محاولة لإبراز قدرة أنظمة الشركة على “التفكير” والتصرف في بيئات معقدة.
وفي جزء آخر من العرض، صعدت روبوتات صغيرة إلى المسرح بينما تحدث هوانج عن مساهمة إنفيديا في تطوير روبوتات قادرة على توصيل الطعام ورفع الأجسام الثقيلة وحتى إجراء عمليات جراحية.
شريحة Vera Rubin وتوسع في الصناعات المختلفة
كشف هوانغ أيضًا عن دخول شريحة ذكاء اصطناعي جديدة تحمل اسم العالمة الأميركية Vera Rubin مرحلة “الإنتاج الكامل”، في خطوة تهدف لتعزيز خط منتجات الشركة من الرقاقات الموجهة للحوسبة عالية الأداء.
يوضح التقرير أن هذه الشريحة تمثل الجيل التالي من وحدات المعالجة المتقدمة، وتُستخدم في تشغيل تطبيقات تتطلب قدرات حسابية هائلة.
إلى جانب السيارات والروبوتات، تتوسع إنفيديا في مجالات أخرى مثل المساعدين الشخصيين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي، كما أعلنت عن توسيع شراكتها مع شركة Siemens لإدخال الذكاء الاصطناعي في عمليات التصميم والإنتاج الصناعي.
وفي قطاع الترفيه، عقدت الشركة شراكة مع Universal Music Group لـ“ريادة استخدام الذكاء الاصطناعي المسؤول” في مجالات اكتشاف الموسيقى وإنشائها والتفاعل معها.
توقعات بوصول القيمة السوقية إلى 6 تريليونات دولار
يرى محللو Wedbush Securities في مذكرة بحثية أن الخطوات الأخيرة لإنفيديا ستساعدها على مواصلة النمو، خصوصًا مع توقعاتهم بأن تكون هذه الشركة في “قلب الإنفاق التريليوني على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة”.
وصف المحللون رقاقات إنفيديا بأنها “الذهب والنفط الجديد” لعصر الذكاء الاصطناعي، مرجحين أن تصل القيمة السوقية للشركة إلى 6 تريليونات دولار في المستقبل.
مع ذلك، يلفت التقرير إلى أن توسع إنفيديا في مجالات مثل الروبوتات والتقنيات الذاتية القيادة يمثل “فرصة سوقية إضافية” أكثر منه بديلًا فوريًا لمركز ثقلها الحالي في رقاقات مراكز البيانات.
ويشير التقرير إلى أن إحدى العقبات الرئيسية أمام الانتشار الواسع للسيارات ذاتية القيادة هي إقناع المستخدمين والجهات التنظيمية بمدى أمان هذه التقنيات، مع تساؤلات مستمرة حول توقيت تحولها إلى واقع يومي، وهل هو خلال بضع سنوات أم ما يزال على مسافة 10 إلى 20 عامًا.
الصين: سوق هائل ومخاطر تنظيمية
على الرغم من مكانة إنفيديا في سباق الذكاء الاصطناعي، يسلط التقرير الضوء على حالة عدم اليقين التي تحيط بنشاط الشركة في الصين، والتي قد تصل قيمتها إلى 50 مليار دولار سنويًا.
تتأثر أعمال الشركة هناك بالتعريفات الجمركية والقيود المفروضة على تصدير رقاقات الذكاء الاصطناعي، ما دفع إنفيديا إلى الضغط بقوة على الحكومة الأميركية لتخفيف القيود والسماح ببيع شريحة H200 لشركات صينية.
يوضح التقرير أن الرئيس دونالد ترامب ومسؤولين تنفيذيين في قطاع التقنية أعربوا عن مخاوف من احتمال تقدم الصين في سباق الذكاء الاصطناعي وما قد يمثله ذلك من تهديد للأمن القومي الأميركي.
وفي صفقة غير معتادة، وافق ترامب على السماح ببيع شريحة H200 في الصين مقابل حصول الولايات المتحدة على حصة قدرها 25% من عائدات هذه المبيعات.
ضغوط من بكين وتحديات مستقبلية
قال هوانغ خلال CES إن الطلب على هذه الشرائح في الصين “مرتفع جدًا”، لكن التقرير يشير إلى تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المبيعات ستتم بالفعل.
نقلت الصحيفة عن تقرير لموقع The Information، استنادًا إلى مصادر مجهولة، أن الحكومة الصينية طلبت من عدد من شركات التقنية المحلية وقف طلبات شرائح H200، مع احتمال إلزام هذه الشركات بشراء رقاقات ذكاء اصطناعي محلية الصنع بدلاً من المنتجات الأجنبية.
في ضوء هذه التطورات، يرى التقرير أن إنفيديا تقف أمام معادلة معقدة وهي الاستفادة من الطلب الضخم على رقاقات الذكاء الاصطناعي عالميًا، مقابل التعامل مع حساسيات جيوسياسية وتنظيمية قد تقيد حضورها في واحد من أهم أسواق التقنية في العالم.
وتبقى الإجابة على سؤال ما إذا كانت الشركة قادرة على تكرار عامها القياسي في 2026 مرتبطة بقدرتها على الحفاظ على ريادتها التكنولوجية، مع إدارة هذه المخاطر في آن واحد.




اضف تعليقك