OnNEWS

مسار خلف الكواليس امتدّ لعقود.. ماذا تكشف ملفات إبستين عن عالم الاستخبارات؟


بقلم:&nbspيورونيوز

نشرت في

تكشف وثائق ومراسلات أُفرج عنها حديثًا أن جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي المدان في قضايا الاتجار الجنسي بالقاصرات والذي عُثر عليه ميتًا في زنزانته بنيويورك عام 2019، لم يكن مجرد شخصية هامشية في عالم المال والنفوذ، بل تحرّك لعقود داخل شبكات معقّدة تقاطعت فيها الاستخبارات الدولية، وتجارة السلاح، والمال السياسي، والعلاقات الخلفية بين الدول.

امتدت علاقات إبستين بدوائر الاستخبارات لتشمل شبكات معقدة ضمّت أجهزة استخبارات غربية، وتجار سلاح، وزعماء سياسيين، وشخصيات نافذة في الولايات المتحدة وإسرائيل والشرق الأوسط، في تداخل غامض بين المال والنفوذ والعمل السري.

وتشير هذه الوثائق إلى أن إبستين ناقش في مراسلات خاصة قضايا جيوسياسية بالغة الحساسية قبل وقوعها بوقت كافٍ، من بينها حديثه عن احتمال غزو الإمارات لقطر، ومعلومات عن خطة إنقاذ مالية ضخمة لإنقاذ اليورو قبل الإعلان عنها رسميًا، إضافة إلى معطيات تفيد بأن روسيا أبلغت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسبقًا بمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. هذه المعطيات أثارت تساؤلات واسعة حول مصادر معلوماته، وكيفية وصولها إلى شخص لا يحمل أي صفة رسمية في أجهزة الدولة أو الاستخبارات.

ورغم أن ملايين الملفات التي كُشف عنها لا تثبت بشكل مباشر أن إبستين كان موظفًا أو عميلًا رسميًا لدى أجهزة استخبارات كبرى مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أو جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، أو الموساد الإسرائيلي، فإنها ترسم صورة لشخص كان يتحرك بحرية داخل دائرة نخبوية مغلقة، أكثر حصرية وتأثيرًا حتى من عالم ضباط الاستخبارات التقليديين. فقد كان رؤساء دول سابقون، وسفراء، ومليارديرات، وتجار سلاح، يترددون عليه شخصيًا أو يزورون جزيرته الخاصة في الكاريبي، التي تحولت لاحقًا إلى أحد أبرز مسارح الجرائم الجنسية المنظمة في العقود الأخيرة.

البدايات

وتعود جذور علاقة إبستين بعوالم الاستخبارات إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما جرى توظيفه بشكل لافت في إحدى أعرق المدارس الخاصة في نيويورك، رغم عدم حصوله على شهادة جامعية. جاء ذلك بفضل دونالد بار، المسؤول السابق في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكية (OSS)، الجهاز الذي شكّل النواة الأولى لوكالة الاستخبارات المركزية خلال الحرب العالمية الثانية. هذه الخطوة، التي بدت حينها غير مبررة، مثّلت أول خيط يربط إبستين بدوائر النفوذ غير التقليدية.

بعد مغادرته مجال التعليم، انتقل إبستين إلى القطاع المالي، حيث عمل في بنك “بير ستيرنز” الاستثماري، قبل أن يُفصل لاحقًا في ظروف غامضة. إلا أن هذا الفصل لم ينهِ مسيرته، بل شكّل نقطة انطلاق نحو عالم أكثر تعقيدًا، إذ بدأ نسج علاقات مع شخصيات تنشط في تجارة السلاح الدولية والصفقات السرية.

تجارة السلاح

وفي مطلع الثمانينيات، التقى في بريطانيا بتاجر السلاح الأرستقراطي دوغلاس ليس، الذي لعب دورًا محوريًا في إدخاله إلى شبكة من كبار تجار السلاح الدوليين، من بينهم السعودي عدنان خاشقجي، وشخصيات مرتبطة مباشرة بالاستخبارات الإسرائيلية.

وشكّلت فضيحة “إيران–كونترا” محطة مفصلية في مسار إبستين. ففي تلك الفترة، تورطت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في بيع أسلحة سرية لإيران، رغم الحظر المفروض عليها، بوساطة إسرائيلية، واستخدمت عائدات تلك الصفقات لتمويل ميليشيات “الكونترا” في نيكاراغوا.

وتشير تقارير صحفية إلى أن إبستين عمل في تلك المرحلة مع شخصيات كانت ضالعة في صفقات السلاح والتحايل المالي، مستخدمًا واجهة شركات استشارية تقدّم خدمات “تخطيط ضريبي” للأثرياء، بينما كانت عمليًا تتحرك في مناطق رمادية من القانون.

علاقة مع إسرائيل

وتعمّقت علاقة إبستين بإسرائيل من خلال ارتباطه الوثيق بعائلة ماكسويل، ولا سيما غيسلين ماكسويل، شريكته المقربة التي أُدينت لاحقًا بتجنيد القاصرات واستغلالهن جنسيًا لصالحه. وكان والدها، روبرت ماكسويل، قطب الإعلام البريطاني الشهير، شخصية مثيرة للجدل ذات علاقات واسعة مع أجهزة استخبارات متعددة، بينها الموساد وMI6 وحتى الاستخبارات السوفيتية السابقة.

وتشير مراسلات إبستين إلى أنه اعتبر ماكسويل مرتبطًا بشكل مباشر بالموساد، بل وهدد في مرحلة ما بكشف عمليات استخباراتية حساسة مرتبطة به.

وفي الولايات المتحدة، لعب إبستين دورًا بالغ التأثير في إدارة ثروة الملياردير ليز ويكسنر، مؤسس إمبراطورية “إل براندز” المالكة لشركات عالمية مثل “فيكتوريا سيكريت”. وقد مُنح إبستين صلاحيات استثنائية لإدارة أصول ويكسنر، في علاقة غير مسبوقة من حيث حجم الثقة والسيطرة، ما أثار لاحقًا تساؤلات حول طبيعة هذه الشراكة وحدودها الحقيقية.

وتفيد تقارير بأن إبستين أعاد توظيف طائرات وشبكات لوجستية كانت مستخدمة سابقًا في عمليات سرية خلال حقبة “إيران–كونترا” لخدمة مصالح تجارية لاحقة.

وخلال العقدين الأخيرين من حياته، واصل إبستين لعب دور “الوسيط الخلفي” في قضايا سياسية وأمنية حساسة، من بينها ترتيب لقاءات غير معلنة بين مسؤولين إسرائيليين وشخصيات نافذة في الإمارات قبل توقيع “اتفاقات أبراهام”، إضافة إلى محاولات فتح قنوات اتصال غير رسمية بين إسرائيل وروسيا على خلفية اندلاع الحرب السورية.

كما أظهرت مراسلاته اهتمامًا مستمرًا بتطورات الشرق الأوسط، وتحليلاته لدور الإمارات والسعودية في قضايا إقليمية مفصلية، بما في ذلك اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

وتُظهر هذه الوثائق أن إدانة إبستين الجنائية في قضايا الاتجار الجنسي لم تضع حدًا لتحركاته أو علاقاته، إذ واصل العمل كحلقة وصل بين المال والنفوذ والاستخبارات حتى سنواته الأخيرة. وهو ما يعزز فرضية أن قضيته لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية أو جنائية، بل نافذة كاشفة على عالم خفي من العلاقات الدولية غير المعلنة، حيث تختلط المصالح الأمنية بالثروات الخاصة، بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية.

وتخلص هذه المعطيات إلى أن قصة جيفري إبستين تمثل نموذجًا صارخًا لكيفية عمل شبكات النفوذ العابرة للحدود، والتي تظل بمنأى عن الرقابة القانونية والسياسية، حتى عندما تنكشف إحدى واجهاتها الأكثر ظلمة، ما يطرح تساؤلات أعمق حول من يحمي هذه الشبكات، ولماذا يستمر نفوذها رغم سقوط بعض رموزها.


Source link

اضف تعليقك

إعلان

العربية مباشر

إعلان

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.