OnNEWS

نهاية عصر “ستارت”: موسكو وواشنطن تدخلان أخطر مرحلة من الغموض النووي منذ الحرب الباردة


وأعلنت وزارة الخارجية الروسية اليوم الأربعاء انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت) بين روسيا والولايات المتحدة بشكل نهائي.

وللمرة الأولى منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، لن تكون لدى روسيا والولايات المتحدة – أكبر قوتين نوويتين في العالم، أي معاهدة سارية المفعول تنظم حجم ترسانتيهما النوويتين أو تضع قيودا قانونية على سباق التسلح بينهما.

هذا التطور يعيد إلى الواجهة مساراً تفاوضياً امتد لأكثر من نصف قرن، بدأ في ذروة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ومرّ بمحطات رئيسية شكّلت أساس مفهوم “الاستقرار الاستراتيجي” العالمي.

البدايات: منطق الردع المتبادل

انطلقت مفاوضات الحد من التسلح النووي بين موسكو وواشنطن عام 1969، في ظل إدراك متبادل بأن سباق التسلح غير المقيد يهدد الأمن العالمي ويزيد من خطر اندلاع حرب نووية شاملة. وتركزت المفاوضات على الأسلحة النووية الاستراتيجية، أي وسائل إيصال الرؤوس النووية: الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة، إضافة إلى منصات الإطلاق وعدد الرؤوس الحربية نفسها.

“سالت-1”: تثبيت الوضع القائم

في 26 مايو 1972، وقع في موسكو الاتفاق المؤقت بشأن بعض تدابير الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، المعروف باسم “سالت-1”. لم يسع الاتفاق إلى خفض الترسانات بقدر ما هدف إلى تجميدها عند المستويات القائمة آنذاك، من خلال تحديد عدد الصواريخ الباليستية وقاذفاتها البرية والبحرية لدى الجانبين، دون فرض قيود على عدد الرؤوس الحربية. دخل الاتفاق حيز التنفيذ في أكتوبر 1972 واستمر حتى عام 1977.

معاهدة “ABM”: حجر الزاوية في الاستقرار الاستراتيجي

بالتوازي مع “سالت-1″، تم توقيع معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM)، التي حظرت تطوير ونشر أنظمة دفاع صاروخي واسعة النطاق، وسمحت لكل طرف بنشر نظام واحد فقط للدفاع الصاروخي. هذا القيد أسس لمفهوم “الردع النووي المتبادل”، حيث لا يستطيع أي طرف توجيه ضربة نووية أولى دون أن يضمن ردا مدمرا من الطرف الآخر.

لثلاثة عقود، شكلت معاهدة ABM أحد الأعمدة الأساسية للاستقرار الاستراتيجي العالمي، إلى أن انسحبت منها الولايات المتحدة عام 2002، مبررة قرارها بالحاجة إلى مواجهة تهديدات صاروخية محتملة من دول مثل كوريا الشمالية وإيران. وقد أدى هذا الانسحاب، بحسب موسكو، إلى اختلال التوازن بين القدرات الهجومية والدفاعية، وفتح الباب أمام سباق تسلح جديد.

“سالت-2”: اتفاق لم يولد

في عام 1979، تم توقيع معاهدة “سالت-2” في فيينا، واضعة سقوفا أكثر تفصيلا لعدد وسائل إيصال الأسلحة النووية، بما في ذلك القاذفات الاستراتيجية، مع قيود على الصواريخ متعددة الرؤوس. غير أن المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ قط، بعد أن امتنعت الولايات المتحدة عن التصديق عليها في سياق التدهور السياسي الذي أعقب التدخل السوفيتي في أفغانستان.

معاهدة الصواريخ متوسطة المدى: إزالة فئة كاملة من الأسلحة

عام 1987، شكلت معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF) نقلة نوعية، إذ نصّت على إزالة فئة كاملة من الصواريخ النووية بمدى يتراوح بين 500 و5500 كيلومتر. وبحلول عام 1991، دمر أكثر من 2500 صاروخ. لكن الخلافات حول تنفيذ المعاهدة، ثم انسحاب الولايات المتحدة منها عام 2019، أنهيا أحد أكثر اتفاقيات نزع السلاح طموحا في تاريخ الحرب الباردة.

“ستارت-1”: التخفيضات الكبرى بعد الحرب الباردة

وقعت معاهدة “ستارت-1” في يوليو 1991، قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994. ونصت على خفض الترسانات النووية بنحو 30%، وصولا إلى 6000 رأس حربي و1600 وسيلة إيصال. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، انضمت روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا إلى المعاهدة، قبل أن تنقل الأسلحة النووية من الجمهوريات الثلاث الأخيرة إلى روسيا.

“ستارت-2″ و”SORT”: مسارات غير مكتملة

سعت “ستارت-2” إلى حظر الصواريخ الباليستية متعددة الرؤوس، لكن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة ABM أدى إلى انهيار هذا المسار. أما معاهدة SORT (2002)، فحددت سقفا أقل لعدد الرؤوس الحربية، لكنها افتقرت إلى آليات تحقق صارمة، واعتمدت عمليا على نظام التحقق في “ستارت-1”.

“ستارت الجديدة”: آخر الخطوط الدفاعية

في 2010، تم توقيع معاهدة “ستارت الجديدة”، التي خفضت عدد الرؤوس الحربية المنتشرة إلى 1550، ووسائل الإطلاق إلى 700. وقد التزم الطرفان بهذه القيود حتى بعد تعليق روسيا مشاركتها الرسمية في المعاهدة عام 2023، مع استمرار تبادل الإخطارات المتعلقة بالمناورات والإطلاقات الصاروخية.

ما بعد فبراير 2026: فراغ استراتيجي

مع اقتراب انتهاء “ستارت الجديدة” في 5 فبراير 2026، يواجه العالم احتمال الدخول في مرحلة بلا قواعد ملزمة لضبط التسلح النووي بين موسكو وواشنطن. ورغم اقتراح روسيا تمديد الالتزام بالقيود لمدة عام إضافي، لم يصدر رد أمريكي رسمي.

وهكذا، من “سالت” إلى “ستارت”، يتضح أن تاريخ ضبط التسلح النووي لم يكن مجرد سلسلة من المعاهدات، بل انعكاسا مباشرا لحالة العلاقات السياسية بين القوتين النوويتين. ومع غياب اتفاق بديل، يبقى السؤال مفتوحا: هل يشهد العالم عودة غير مقيدة إلى سباق التسلح، أم أن منطق الردع سيجبر الطرفين على البحث عن صيغة تفاوضية جديدة؟.

المصدر: تاس


Source link

اضف تعليقك

إعلان

العربية مباشر

إعلان

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.