OnNEWS

إيطاليا بين تصميم ميلانو.. وثراء روما


إيطاليا بين تصميم ميلانو.. وثراء روما

#سياحة وسفر

الرحلة بين ميلانو، وروما، ليست انتقالاً جغرافياً بقدر ما هي انتقال من زمن إلى آخر. بين مدينة تُصنع كل صباح من جديد، فتستيقظ على صوت الآلات الدقيقة، ونبض الموضة، وإرادة لا تخطئ طريقها نحو المستقبل. ومدينة أخرى لا تستيقظ بل تعود؛ لتزيح الغبار عن قرون من الفن والعمارة، وتضع زائريها أمام معنى الخلود.. في ميلانو، يختزل الزمن إلى تصميم وإنتاج وانضباط تصنيعي؛ وفي روما يتمدد الزمن على هيئة حجارة ومتاحف، وسماء تتلألأ فوقها القباب كجملة نهائية لجدارية عظيمة. وبين المدينتَيْن تتأكد فكرة السفر في إيطاليا، ومفادها أن البلد قادر على جمع مستقبل العالم، وماضيه، في مساحة واحدة. وأيضاً بين المدينتين، يتبدى سؤال السفر في إيطاليا: هل نسافر لنرى، أم لنفهم، أم لأن المدن مهما تغيّرت تمنحنا فرصة نادرة للعبور نحو طبقاتها العميقة؟.. في هذه الرحلة، نأخذكم إلى ميلانو مدينة التصميم والموضة والصناعة، ثم إلى روما مدينة السحر والفن والعمارة؛ لنكتشف، معاً، كيف يمكن لبلد واحد أن يضمّ مستقبل العالم، وماضيه، معاً.

  • من الجناح الرئاسي في فندق «The Carlton» - ميلانو.
    من الجناح الرئاسي في فندق «The Carlton» – ميلانو.

صناعة الأذواق.. قبل استهلاكها

ليس من السهل اختزال ميلانو في جملة واحدة؛ فهي مدينة لا تستعرض تاريخها، وإنما تُعيد تشكيله بصيغة معاصرة. فهنا يعمل المصممون، والمهندسون والحرفيون والنجارون وصناع الأزياء والساعات، في ما يشبه ورشة كبرى، تُنتج الجمال باعتباره بحثاً ودقة ومواد. ففي شوارع «المربّع الذهبي للموضة» (Quadrilatero della Moda)، يتحوّل المشي إلى تجربة ثقافية؛ فكل واجهة وخط ونافذة، تذكّر بأن ميلانو ليست «باريس الرومانسية»، وليست «روما الخالدة»، بل مدينة القرار اليومي، وصناعة الذائقة.

  • إيطاليا بين تصميم ميلانو.. وثراء روما
    غرفة ديلوكس في فندق «The Carlton» – ميلانو.

موقع استراتيجي

في قلب هذا «المربع»، يطل فندق «كارلتون ميلانو» على شارعَيْ: «فيا سيناتو»، و«فيا ديلا سبيغا»، في موقع ليس سياحياً فحسب، بل أيضاً استراتيجي؛ فهنا لا يحتاج المسافر التخطيط للمسافات، فميلانو تُقرأ مشياً، وتُفهم عبر الأحياء. ويمثل «الفندق» رؤية جديدة للفخامة في ميلانو، رؤية تعتمد على التصميم أكثر من البروتوكول، وعلى الإحساس أكثر من المظهر. ففي الداخل، تولّى تصميمه كلٌّ من: فيليب فيرجييلين، وباولو موسكينو، بالتعاون مع ليدي أولغا بوليتزي، وهنا يكشف التصميم الداخلي ما يشبه منزلاً ميلانياً خاصاً، وليس فندقاً تقليدياً، بغرف تميل إلى الشعور بالسكينة لا الاستعراض، ومساحات مشتركة تعطي انطباعاً بإقامة مديدة، لا زيارة سريعة. إن تجربة «الفندق» تدور حول «فن العيش» في ميلانو، وليس «خدمات الفندق» بالمعنى الاعتيادي. فالطعام في مطعمه «Overseen by Fulvio Pierangelini» ليس مجرد قائمة أطباق، بل قراءة للذائقة الإيطالية، التي تُعرف بالبساطة الدقيقة، والتوازن بين الخضروات، وثمار البحر، والزيوت، والأعشاب، فهي ذائقة لا تنفصل عن هوية المدينة كمركز تصميم ومواد، أكثر من كونها مدينة مطبخ تقليدي. أما «سبا آيرين فورت»، فتدخل التجربة من باب مختلف، عبر ما يسميه المرفق بـ«nature-led rituals and longevity philosophy»؛ أي طقوس عناية مستوحاة من الطبيعة، تقوم على فلسفة «اللونجيفيتي»، وإطالة العمر. فهنا يُعامل الجسد كعنصر هندسي يحتاج إلى صيانة طويلة لا إلى علاج قصير، وفيه يُجمع بين التكنولوجيا اللطيفة والمواد الطبيعية، وبين العناية بالبشرة والرفاه كجزء من أسلوب حياة حضري، لا كترف منفصل أو موسمي. وعلى مقربة من «الفندق»، لا يحتاج الضيف إلى أكثر من دقائق مشياً؛ للوصول إلى كل ما يجعل ميلانو مدينة «صناعية–ثقافية» في آنٍ، من خلال متاجر «Via Montenapoleone»، ومعارض «Brera»، والسلالم الحجرية لـ«La Scala»، والعمارة البيضاء لـ«Galleria Vittorio Emanuele II». 

  • ساحة إسبانيا - روما.
    ساحة إسبانيا – روما.

جولة في ميلانو

بعد الخروج من «حي الموضة»، تأخذنا الخطوات نحو متجر «Ferrari Flagship»، أحد الأماكن التي يصعب اختزالها في كلمة «متجر». فهنا لا تُباع المنتجات، بقدر ما تُعرض الأفكار. فمداخل المكان تفتح على عالم لا يكتفي بتراث «الحصان الجامح»، بل ينقل «العلامة» إلى مساحة أشبه بورشة تصميم معاصرة؛ حيث تتحوّل المواد إلى أشكال، والأشكال إلى وظيفة. في هذه «الأوفّيشينا»، لا يكون الجمال زينة، بل نتيجة هندسة دقيقة، تقوم على الاختزال والوظيفة والنقاء. فكل قطعة من الجلد أو القماش أو المعدن، تبدو كأنها خضعت لاختبار صارم: ماذا تفعل؟.. وكيف تعمل؟.. وكيف يمكن للمواد أن تتحرك، وتتجاور، دون ضجيج؟.. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال عن السيارات أو الموضة، بل عن قدرة المدينة على تحويل الهندسة إلى أسلوب حياة، وهو جوهر ميلانو منذ عقود.

  • متجر «Ferrari Flagship» - ميلانو.
    متجر «Ferrari Flagship» – ميلانو.

وعلى بُعْد مسافة قصيرة سيراً، يدخل الزائر إلى مستوى آخر من الزمن داخل «AP House Milano»، المكان الموزع على خمسة طوابق داخل مبنى «Garage Traversi»، الذي أعيد إحياؤه، وفيه تتعايش الساعات مع الموسيقى والفن والتقنيات التفاعلية، ولا يُرى الوقت مقياساً للحياة، بل كمادة خام. ويمكن للزائر أن يقف أمام الحرفيين، وهم يعملون على آليات الساعات، في حركة دقيقة تشبه الكتابة بخط صغير على حدود الزمن. أما في الأعلى، فتنفتح المدينة عبر قباب «Duomo»، وأبنية «Brera»، ومشهد «المربّع الذهبي» للموضة، كاشفة عن ميلانو أخرى: مدينة تملك لحظات شاعرية صغيرة، لا تُمنح إلا لمَنْ يرفع رأسه، وينظر عالياً. وبعدها، تعيدنا الخطوات إلى «Palazzo FENDI Milano»، حيث يتبدّى وجه آخر للمدينة، وجه الموضة التي تُعامل كعمارة لا كزينة. إن المبنى، الذي يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، يحافظ على رصانته التاريخية، وأيضاً يُعاد تفسيره بلغة المواد، والإضاءة، والحِرَف. هنا، تصبح الموضة فعلاً تصميمياً يقف بين الهندسة والفن.

  • جناح جونيور في فندق «De La Ville» - روما.
    جناح جونيور في فندق «De La Ville» – روما.

روما.. مدينة تُفسّر الزمن

في روما، يبدو الزمن مادة محسوسة. ليس على شكل تواريخ أو فترات، بل على شكل حجارة وأقواس وسلالم وساحات. فالمشي في المدينة لا يكشفها دفعة واحدة، بل طبقةً طبقةً؛ من الأزقة القديمة إلى الساحات الواسعة، ومن أضلاع الدرجات الحجرية إلى القباب البعيدة، التي تلمع تحت ضوء النهار؛ فلا تسأل المدينةُ الزائرَ عمّا يريد أن يرى، بل عمّا يفهم؛ فالتاريخ ليس خلفية في روما، بل وجهة. وتقترح روما الخلود عبر المعنى؛ لهذا تبدو العاصمة الإيطالية مدينة لا تكتمل زيارتها بالجولات، بل بالمشي الطويل، وبترك عينيك تتعلمان كيف تُقرأ الحجارة.

  • الفناء الداخلي من فندق «De La Ville» - روما.
    الفناء الداخلي من فندق «De La Ville» – روما.

نظرة من الأعلى 

عند أعلى درجات السلالم الإسبانية، يقع فندق «Hotel de la Ville» في مكان لا يطل على المدينة فحسب، بل يُعيد صياغة طريقة النظر إليها. فالإقامة هنا تعني النظر إلى روما من الأعلى، كمدينة تُقرأ؛ وتتكشف في الأفق عبر القباب والسطوح والفراغات، فيصبح المشهد جزءاً من الرحلة، لا من الصورة. وداخل «الفندق» المستوحى من فلسفة الـ«Grand Tour»، ذلك التقليد الأوروبي، الذي كان يرى في السفر وسيلة لإتمام التربية الثقافية والفنية. والغرف والممرات والمفروشات تحافظ على هذه الروح، بلا استعراض أو مبالغة، وإنما بإحساسٍ بمكانٍ يتعامل مع الزمن كعنصر من عناصر التصميم. فالفخامة هنا ليست كثافة خدمات، بل زاوية للرؤية.

  • «AP House Milano»
    «AP House Milano»

فخامة تُقاس باللحظة

الفخامة، في هذا «الفندق»، لا تأتي من الحجم أو المبالغة، بل من الخصوصية. وأحد التفاصيل اللافتة، إمكانية تخصيص الطابقين السادس والسابع بما في ذلك «البنتهاوس»، وهي فكرة تعيد تعريف الضيافة في روما، كزمن ومساحة وسكون. فأن تمتلك جزءاً من المدينة لوقت محدد، يعني أن تمتلك سياقها وليس ديكورها. وعلى السطح، يبدو المشهد أكثر وضوحاً؛ فالأفق في هذا المستوى ليس للخريطة، بل للخيال، بقباب تقترب وتبتعد، وطبقات من السطوح، وألوان تتبدل بين النهار والليل، كما لو كانت المدينة نفسها تتنفس أمام الزائر. وفي قلب العاصمة، التي تُعرف بالطبخ البسيط والدافئ، يظهر التوقيع الذوقي عبر مطبخ «Fulvio Pierangelini»، وقائمة طعام تعتمد على الفكرة القديمة بأن الطعام هنا لا يحتاج إلى خطاب، بل إلى مكونات جيدة، وصنعة دقيقة. وفي «Café Ginori»، تتجاور الطاولة مع الفخار والزخرفة والنقوش؛ لتعيد تعريف العلاقة بين الحرفة والمائدة. أما على مستوى العافية، فيقدم الفندق «Cryotherapy» كأول خدمة في قلب المدينة، في تناقض جميل بين تقنية تبريد عالية وحداثية، ومدينة بُنيت فوق الزمن الطويل. والجسد، هنا، يشارك في حوار بين الماضي والمستقبل، والبطيء والسريع، وما يبقى وما يتغير.

إيطاليا بين تصميم ميلانو.. وثراء روما
من داخل «Palazzo FENDI Milano».

الأسطورة تواجه الزمن

بعيداً قليلاً عن «الفندق»، تكشف المتاحف في روما، إحدى أعمق طبقات المدينة: (طبقة الرموز، والأساطير). ففي «متاحف الكابيتولين» (Capitoline Museums)، تبدو روما كمدينة كتبت تاريخها عبر الفن والدين والسلطة والأسطورة، وكلها عناصر لا تزال حيّة في تفاصيلها اليومية. وداخل معرض «كارتييه والأسطورة» (Cartier and Myth)، تتحوّل المجوهرات إلى أجسام سردية؛ تمرّ من خبرة الحرفي.. إلى رمزية الأسطورة.. إلى تاريخ المدينة، في مشاهد تجمع بين الذهب، والأحجار، والرموز القديمة. إن فكرة «المعرض» ليست قائمة على الاحتفاء بالمجوهرات، بل بالسرد الذي يربط بين الأسطورة والفن والمدينة والزمن. أما التفصيل الأكثر ندرة، فهو إتاحة الوصول الحصري للضيوف – بعد ساعات الإغلاق – إلى المتحف والمعرض، حيث تتحوّل التجربة من زيارة ثقافية إلى لحظة شبه خاصة. فالصالات تصبح صامتة، والأعمال مكشوفة بلا حشود، والزائر يجد نفسه أمام الزمن وجهاً لوجه، في مدينة اعتادت مخاطبة العالم من خلال الأسطورة.. وليس من خلال الواقع.

 


Source link

اضف تعليقك

إعلان

العربية مباشر

إعلان

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.